أبو حامد الغزالي
322
تهافت الفلاسفة
لكن ما ورد في وصف الجنة والنار ، وتفصيل تلك الأحوال ، لا يحتمل التأويل ، فتأويله والحالة هذه يقتضى اعتبار وروده على هذه الصورة ، تلبيسا بتخييل نقيض الحق لمصلحة الخلق ، ومنصب النبوة يتنزه عن مثل هذا العبث . . . - 278 - وثاني الفرقين أن أدلة عقلية تامت على استحالة وصف اللّه بأوصاف مادية ، فوجب تأويل النصوص التي تشير إلى ذلك ، نزولا على حكم هذه الأدلة ، أما ما جاء في النصوص بخصوص الجنة والنار فلا يعارض العقول ولا يناقضها ، فلا توجد مبررات لمحاولة صرفها عن ظاهرها . . . - 279 - قال الفلاسفة لقد قام الدليل العقلي على استحالة بعث الأجساد ، وسلكوا في إيضاحه مسلكين . . . - 280 - المسلك الأول : أن قالوا : إن تقدير عود الروح إلى البدن ثلاثة أقسام . . . 281 - القسم الأول أن يقال : الروح عرض من أعراض البدن ، يفارقه ويعود إليه ، وليست الروح جوهرا مفارقا قائما بنفسه . . . - 281 - القسم الثاني أن يقال : الروح جوهر قائم بذاته ، يتصل بالبدن اتصال تدبير وتصريف ، وينقطع عنه بالموت ، والجسم بعد الموت يتفرق ، ثم يعود هو بعينه . . . - 281 - القسم الثالث : أن يقال : النفس جوهر مفارق ، وعوده يكون إلى بدن أىّ بدن كان ، ولكون النفس هي النفس يكون العقاب والثواب لمن كسب الحسنات واكتسب السيئات . . . - 282 - ادعاء الفلاسفة أن جميع هذه الأقسام باطلة . . . - 282 - أما الأول : فلأنه مهما انعدمت الحياة والبدن ، فاستئناف خلقهما إيجاد لمثل ما كان ، لا لعين ما كان . . . - 282 - وأما القسم الثاني : فهو محال إذ يستحيل جمع الجسم بعد أن يتفرق ، ويصبح ترابا ، تأكله الديدان والطيور ، ويستحيل دما ، وبخارا وهواء ، ويمتزج بهواء العالم ، وبخاره ، ومائه ، امتزاجا يبعد انتزاعه واستخلاصه . . . - 273 - استحالات أخرى مترتبة على هذا الوجه ، أحدها أنه إذا